Piczo

Log in!
Stay Signed In
Do you want to access your site more quickly on this computer? Check this box, and your username and password will be remembered for two weeks. Click logout to turn this off.

Stay Safe
Do not check this box if you are using a public computer. You don't want anyone seeing your personal info or messing with your site.
Ok, I got it
Maysan
My Pages
Maysan
  1. محافظة ميسان (العمارة) اهوار ميسان، التي منها حملت اسمها الآرامي مي آسن تشير أغلب المصادر الى أن (ميسان) دويلة نشأت في جنوبي أرض بابل تحت حماية السلوقيين (311ق. م ـ 247ق. م) عندما ضعف شأنهم في الفترة الواقعة بين عامي (223ق. م ـ 187ق. م) استقلت ثم تدرجت في سلم القوة واصبحت دويلة مهمة. حكمها ثلاثة وعشرون ملكا ما يقارب ثلاثة قرون ونصف وبالتحديد ما بين عامي 129ق. م ـ 225 ميلادي. . . وانها أدت دورا بارزا في الأحداث السياسية والاقتصادية في العراق خلال الفترة من منتصف القرن الثاني قبل الميلاد إلى الربع الأول من القرن الثالث للميلاد. وميسان في الآرامية تعني (مياه المستنقعات)(مي آسن). وفي ميسان يقع قبر (النبي العزير) وهو مقدس لدى اليهود والمسلمين. وكذلك ضريح الشريف عبيد الله بن علي بن أبي طالب (ع)، في منقطة قلعة صالح تحديداً. فتحت في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض)على يد القائد العربي (عتبة بن غزوان المازني). و كانت حدودها تمتد بين واسط (الكوت) والبصرة وكانت البصرة جزءاً منها وكذلك المذار والبطائع (الأهوار)ونقل في تاريخها أنها مدينة واسعة كثيرة القرى والنخيل وكان المثل يضرب بخصوبتها. الاهوار بعد تجفيفها من قبل البعث وأما العمارة فان كانت عُمارة ـ بضم العين والمقصود بذلك (عمارة بن الحمزة) الذي عينه الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور (136 هـ ـ 158هـ) على كور دجلة الذي يشمل ميسان ودستميان وأبرقباذ وضمت له ولاية البصرة وما تبعها وحدود كور دجلة تنتهي بحدود واسط المقابلة لكسكر. وان كانت عَمارة ـ بفتح العين ـ ومعناها التجمع العشائري اذ العَمرة والعَمارة. وان كانت عِمارة ـ بكسر العين ـ ومعناها تسمية جديدة لبناء جديد ويضاف اليها (أل التعريف) لتثبيت المعنى وتحديده. وقد ذكرت العمارة في مصنفين لأديبين قبل ما يقرب من أربعة قرون. وذكر اسم العمارة ونهر العمارة وكوت العمارة في عدة مؤلفات قديمة لا تقل عن الخمسة عشر بين مخطوط ومطبوع فيها العربي والتركي والفارسي والايطالي والفرنسي والانكليزي. وورد اسم العمارة في الرحلات. واقدم من وصلها سباستياني في عام 1656م وفي رحلته يتحدث عن العمارة والمنصورية والمجر وقصر وربما كانت جزرا مسكونة حيث يتلاشى نهر دجلة في الرحلة الثانية يتحدث عن العمارة كقرية تبعد عن بغداد ثلاثة أيام وفيها انكشاريون أنزلوه في دار الكمرك كان ذلك في 1658م. واخيرا فان العمارة من أعمال الوالي العثماني محمد نامق باشا (1278هـ ـ 1284هـ) (1861ـ 1867م) الذي انشأ معسكرا على نهر دجلة عرف (بالاوردي) أي الفيلق ثم توسع بعد ذلك فأصبح مدينة كبيرة يقال لها (العمارة) وقد تولى قيادة الفيلق القائممقام العسكري المقدم (حسين بك) ثم خلفه بعد ذلك (محمد باشا الديار بكرلي) الذي شيد سوقا في المدينة أطلق عليه اسم الباشا. . . كما شيد بعض المباني الكافية لايواء الجنود فتوافد على اثر هذه الحركة العمرانية كثير من الاشخاص من أماكن متفرقة فشيد المباني التي اطلق عليها العمارة نسبة الى العمران والأبنية التي شيدت فيها وبقي الوضع مشمولا بالحكم العسكري سنة كاملة هي سنة 1278 هـ ـ 1861م. في نهاية تلك السنة صدرت الادارة الشاهانية من (ستانبول) بجعل العمارة مركز قضاء تابع لولاية البصرة وعينت وزارة الداخلية في الاستانة (عبدالقادر الكولمندي) بوظيفة كاتب عشائر ولاية البصرة قائممقاما للعمارة الذي أنشأ محلة (القادرية) وأنشأ فيها المسجد الكبير والمنارة الموجودة فيه وقد أرخ الشاعر البغدادي عبدالغفار الأخرس تاريخ تأسيس العمارة بقوله: ((عمرتموها فغدت عمارة/ كما أردتم لمراد الخاطر/ فقل لمن يسأل عن تاريخها/ قد عمرت ايام عبدالقادر)). ويقصد به المتصرف التركي عبدالقاد الذي عين فيها عام 1861. ويقع سنجق العمارة على الشاطئ الشرقي من نهر دجلة وهو مكان فيه صفاء وفي المدينة دار الحكومة (السراي) وثكنة عسكرية ومكتب تلغراف ومركز كمركي والادارة النهرية ومدرسة رشدية ومئة وخمسون دكانا ومدرسة ابتدائية وثلاثة حمامات وألف منزل ما عدا بيوت القصب وسكانها من (8 ـ 9) الآف شخص وفيها الادارة السنية وهي دائرة حكومية تتولى الاشراف على املاك السلطان ويستغرق الاياب من البصرة الى العمارة بطريق النهر (24 ساعة) ويستغرق الذهاب (12 ساعة) بسبب جريان الماء. ومن ملحقاتها القائمقاميات (1ـ الشطرة (قلعة صالح) (2ـ الزبير (الكحلاء) (3ـ دويريج (الطيب والحلفاية). ومن نواحيها:ــ علي الغربي ـ علي الشرقي ـ المجر الكبيرـ المجر الصغير. وتدين العمارة في تطورها لموقعها الممتاز حيث تبدو للناظر من سطح السفينة جميلة وذلك بفضل (كورنيشها) الذي تمتد عليه في خط واحد بيوت تتألف من طابقين مبنية من الطابوق وتقسمها الى محلات منفصلة عدة شوارع عريضة ومستقيمة. أن هذه الواجهة الجميلة تبدو كما لو انها ديكور يخفي وراءه العمارة الحقيقية بأبنيتها الطينية وصرائفها وبساتينها وحقولها المحروثة. وتتألف العمارة من المحلات:ـ 1ـ القادرية (الجديدة):ـ وهي أول محلة بنيت في العمارة وكانت فيها منارة أثرية بناها عبدالقادر الكولمندي الذي صار متصرفا لها في الفترة (من 1861م الى 1866م). 2ـ السرية:ـ وهي المحلة التي بناها سري باشا متصرف العمارة في العهد العثماني (1871 ـ 1874م). 3ـ السراي: سميت باسمها لقربها من سراي الحكومة والسرية والسراي: المحلتان مندمجتان من جهة الشمال على كورنيش امتداد دجلة قبل تفرعه الى الكحلاء والمشرح وفي السراي توجد منطقتان احداهما السوارية وهي مكان لوقوف خيول الشرطة العثمانية (الجندرمة) والمنطقة الاخرى السالمية وهي المنطقة القريبة من بيت المحافظ الان وقد سميت بالسالمية نسبة الى الحاج سالم محمود الحاج مهدي الدفاعي وظلت تذكر بهذا الاسم الى اواخر الاربعينيات. 4ـ المحمودية:ـ سميت نسبة الى التاجر العماري محمود الحاج طه حيث كانت تقع ضمن حدود بستانه. 5ـ الصابونجية:ـ سميت باسمها لوجود معمل لاستخراج الصابون فيها والمحلتان (المحمودية والصابونجية) مندمجتان والصابونجية اقرب الى السوق. 6ـ الشبانة:ـ وهي المحلة التي تقع على الجانب الايمن من نهر دجلة والشبانة محل الجيش التركي وكانت حدودها تمتد من البستان المقابل الى بيت المحافظ اليوم الى نهر الماصخ وهو (نهر مندرس حيث كانت اثاره تقع قرب العيادة الشعبية اليوم في المركز الصحي في حي القاهرة (الالبان). 7ـ الدبيسات:ـ تقع شمال شرق العمارة عبر نهري المشرح والحكلاء وكانت محلة الماجدية التي استحدثت عام 1939 في زمن المتصرف ماجد مصطفى (5 / 10 / 938 ـ 1 / 5 / 1941م) تقع ضمن محلة الدبيسات القديمة واما منطقة بستان عواشة وبستان الجدة فكانت بساتين من جهة الجنوب وليس فيها سوى سبعة دور متشابهة وهي قصور اثرياء المدينة وتدعى (سبع قصور). وثمة الكثير من المواقع الآثرية في ميسان،حيث يبلغ تعدادها حوالي 226 موقعاً، تعرض بعضها إلى حفر عشوائي من قبل السكان بحثاً عن اللقى الآثارية والذهب الذي تدور حول وجوده فيها قصص واساطير لا نهاية لها وبخاصة (اليشن) ومفردها (ايشان) وهي كلمة سومرية تعني المرتفع أو التل. وقد استخدمت فيما بعد مقابر للاطفال وتم العثور فيها على عدد لا بأس به من الأواني الفخارية والخزفية المزججة التي يعود تاريخ بعضها إلى عصر الوركاء. ويتداول السكان هنا قصصاً واساطير حول هذه (اليشن)، نعتقد أنها حمت بعضها من يد العبث والحفر العشوائي، فهي في اساطيرهم بقايا مدن غضب الله عليها فاحالها وأهلها ركاماً. وهناك (ايشان أبو الذهب) الذي يتسلل منه (الزورق الذهبي) كل اربعين جمعة متجولاً في انهار ومملكة ميسان ويؤكد السكان بقوة انهم يرونه باستمرار ولا يتعرضون له لان الذين فعلوا ذلك من قبل تعرضوا لعقوبات طالت حياتهم وحياة عوائلهم وارزاقهم وابتلتهم بالامراض. وفي الكحلاء تجد أسطورة (ايشان أم الهند) وهذه الاسطورة تتعلق بالعالم الآخر أو العالم السفلي والموت والعقاب والثواب، فهذا الايشان يعد نافذة على هذا العالم، ويخبرك السكان هنا، انهم حين يمرون به في بعض الليالي يسمعون استغاثة الموتى الذين ارتبكوا آثاماً في حياتهم وظلموا من حولهم، لذا فهم يعاقبون على افعالهم تلك. أما (كنز حفيظ) فهو اشهر من نار على علم، وقد تحدث عنه نقلاً عن السكان بعض الرحالة الأجانب الذين أدهشهم عالم الاهوار وسلالة السومريين والميسانيين التي ما زالت تعيد انتاج الاسطورة. وكنز حفيظ هو كمية هائلة من الذهب والمجوهرات يحرسها الجن وكبيرهم (حفيظ) وقد كتب عنه اوليفر دينسكر في كتابه (عرب الاهوار) وماكسويل في كتابه (قصة في مهب الريح) وكالميجر هجكون في كتابه (الحاج ريكان وعرب الاهوار وآخرون).

 

  1. من تاريخ التعليم والثقافة في ميسان { 1 } كان غياب التعليم الحكومي أو محدوديته سبباً في نشوء المدارس الأهلية في مدينة العمارة فقد أنشئت مدرسة التهذيب ومدرسة الهدى ومدرسة الأنصاري ومدرسة سوق النجارين والمدرسة الباقرية ومدرسة محمد جواد جلال ومدرسة جامع باقرون ومدرسة التكية الرفاعية ومدرسة جامع العمارة الكبير. . وفي كل قضاء وناحية أنشئت مدارس أهلية يشرف عليها (الملالي) وخلفاتهم وأشتهر منهم الشيخ أمين أفندي المدرس في جامع الحاج سالم محمود المهدي الذي استقدم من بلاد الشام والشيخ مصطفى أفندي ومحمد سليم المفتي والملا إكريم وولده عطا والشيخ علي محمد اللامي ومحمد دعدوش ومطشر صادق الملية والشيخ باقر زاير دهام. وعندما دخل الإنكليز العمارة افتتحت أول مدرسة في قضاء قلعة صالح عام 1917م وفي قضاء علي الغربي أسست أول مدرسة فيه عام 1918م وفي المجر الكبير افتتحت أول مدرسة هناك عام 1919م فيما احتفل أهالي العمارة بافتتاح أول مدرسة في مركز العمارة في أواخر عام 1919م ولهذا التأخير أسباب سياسية واجتماعية ودينية. وعلى أية حال فقد افتتحت في العام الدراسي 1933/1934 في أرياف العمارة ست مدارس : في ريف الكحلاء مدرستان هما المدرسة المحمدية في مقاطعة الشيخ محمد العريبي والمدرسة الفالحية في مقاطعة الشيخ فالح الصيهود وفي ريف المجر الكبير فتحت المدرسة المجيدية في مقاطعة الشيخ مجيد الخليفة وهم شيوخ قبيلة البو محمد وفي ريف المجر الصغير (الميمونة فيما بعد) فتحت المدرسة الشوائية في مقاطعة الشيخ شواي الفهد والمدرسة السلمانية في مقاطعة الشيخ سلمان المنشد وهما شيخا آل ازيرج وفي ريف كميت فتحت المدرسة الحاتمية في مقاطعة الشيخ حاتم غضبان البنية شيخ بني لام. وتسمية المدارس بأسماء شيوخ عشائر العمارة ظاهرة لم يسبق لها مثيل كما أن تلك التسميات لم تطلق من قبل وزارة المعارف (التربية) على المدارس التي افتتحت في مدينتي الناصرية والبصرة لأن شيوخ العمارة كانوا أكثر من غيرهم يحملون فكرة معارضة إقامة تلك المدارس في مقاطعاتهم لذلك جاءت التسمية تشجيعاً لهم وضماناً لحماية تلك المدارس من العبث والفضل يعود إلى أعضاء الهيئات التعليمية الذين مارسوا التعليم في تلك المدارس إذْ استطاعوا وبسرعة اقناع الشيوخ بأهمية التعليم في المجتمع الريفي والدليل على ذلك التحاق أبناء الشيوخ وبناتهم في تلك المدارس. وأما تعليم البنات فإن مدارس البنين كانت مفتحة الأبواب لكلا الجنسين إلاّ أن السكان الريفيين لم يرسلوا بناتهم إليها وذلك لنظرة المجتمع الريفي المتخلفة إلى المرأة بالرغم مما تقوم به من مجهود كبير في مشاركة الرجل في كل الأعمال التي تتطلبها المعيشة في تلك البيئة. فمثل تلك المجتمعات تسيطر عليهم التقاليد العشائرية والقبلية التي لا تقر تعليم المرأة بل هنالك قاعدة واضحة هي أنه كلما ارتفعت نسبة سكان الأرياف قلت نسبة تعليم البنات (أي يكون التناسب عكسياً) بالرغم من انتشار وارتفاع نسبة تعلم الذكور. ومن جهة أخرى فإن الأجزاء الكبيرة في كل من الأقضية والنواحي تمثل قسماً من المستنقعات حيث تشرف على الأهوار أو تكون جزء منها ولذا فإن العبء الأكبر يقع على الإناث في تربية الجاموس وبيع منتجاته مما يشكل عائقاً آخر أمام تعليم الإناث. كما أن هنالك أمراً آخر وهو خلو المناطق الريفية من المدارس الخاصة لتعليم البنات بسبب التقاليد الاجتماعية والعشائرية حيث يحجم السكان عن إرسال بناتهم إلى المدارس الابتدائية التي يكون التعليم فيها مختلطاً. وأخيراً وليس آخراً فإن عدد البنات اللائي التحقن بالمدارس الريفية من عام 1933 إلى عام 1958 بلغ خمسين فتاة فقط. { 2 } إن من يتصفح تاريخ الثقافة في مدينة العمارة قبل أكثر من نصف قرن مضى وحتى نهاية الخمسينات فسيلاحظ بصورة جلية أن هناك فارقاً كبيراً بين الواقع الثقافي في الوقت الحاضر والسابق – فقد كانت الثقافة منتشرة على المستوى الشعبي لدى نخبة من المتعلمين من أبناء المدينة البررة الذين أخذوا على عاتقهم النهوض بالمستوى الثقافي بالرغم من انتشار الأمية بنسبة كبيرة بين أفراد المجتمع العماري الذين كان في طليعتهم الشاعر محمد خليل العماري الذي اشترى مطبعة وأصدر العدد الأول من جريدة التهذيب في الأول من آذار عام 1926. ومن الأمور الجديرة بالذكر أنه في تلك المرحلة بالذات أنشأ السيد عبد المطلب الهاشمي مع الشيخ حبيب المهاجر العاملي مكتبتين أحدهما مكتبة عامة للمطالعة المجانية والأخرى مكتبة لبيع الكتب الثقافية وهما كرد فعل لحركة التبشير التي بلغت ذروتها في تلك المدة إذْ انشأ المبشرون مكتبة إنجيلية لبيع الكتب التبشيرية. وفي عام 1928م تشارك عبد الرحيم الرحماني والسيد عبد المطلب الهاشمي بمكتبة أسمياها بالمكتبة العربية لبيع المجلات العربية والعراقية ومجلة الهدى التي أصدرها الهاشمي في العام نفسه وما أن تغلق جريدة أو مجلة بسبب التمويل المادي تصدر جريدة أو مجلة أخرى واصحاب الامتياز هم أشبه باللاعبين في سباق 400م بريد يصل الأول إلى نهاية الشوط فيبدأ الآخر بمرحلة جديدة وهكذا دواليك. فمجلة الهدى التي توقفت عن الصدور عام 1931م خلفتها جريدة الكحلاء عام 1932 والتي استمرت بالصدور عدة سنوات وواكبتها مجلة الكمال التي صدرت في أواخر آذار من عام 1938 ثم أعقبتها جريدة (الفرزدق) التي برز عددها الأول في مطلع عام 1939 وعاشت ست سنوات وفي منتصف آذار من عام 1946 صدرت في العمارة مجلتان هما مجلة الجيل ومجلة الميـزان وفي أوائل الخمسينات صدرت (الفيلسوف) وهي جريدة أسبوعية ثم أبدل اسمها إلى (صوت الجنوب) ثم توقفت عن الصدور في 8 شباط 1963. { 3 } ومن حسن حظ مدينتنا (العمارة) أنها احتضنت أدباء ومفكرين وظلت كذلك تحتضن كل من لجأ إليها مبعداً أو بحكم الوظيفة أو بحثاً عن الرزق أمثال حسن الجواد وإسماعيل آل ياسين ومحمد حسن الصوري والسيد محمد عبد المحسن الحلو والشيخ محمد حسين الحر العاملي والشيخ محمد حسين المظفر والأستاذ محمد جواد جلال الذي تركت جهوده الأدبية والثقافية آثاراً واضحة في الأدب العماري من أواخر الثلاثينات إلى أوائل الخمسينات. وقد تعاقب على المجيء إلى هذه المدينة أدباء معروفون أمثال جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وخيري الهنداوي وضياء الدين شكاره والسيد محمد صادق بحر العلوم وسعد صالح النجفي وصالح جواد الطعمة ومرهون علي الصفار والأستاذ محمد الأعسم وعبد المجيد زيدان ويونس الطائي وسعيد شابو ومحمد مهدي الجواهري وأخوه عبد الهادي وبرهان الدين العبوشي الذي لجأ إليها من فلسطين وسعد درويش الذي أنتدب للتعليم فيها من مصر. ومن الإنصاف حقاً أن نذكر الندوات والمجالس الأدبية المنتشرة في مركز المدينة والتي كانت يقصدها شخصيات عراقية معروفة وكانت تزدهر بالمباريات الثقافية والأدبية وعليه فقد كان لها دور لا يمكن إغفاله في الإسهام في تفعيل الحركة الثقافية والأدبية في العمارة في حقبة الثلاثينات والأربعينات (كمجلس عبد المطلب الهاشمي ومجلس محمد جواد جلال ومجلس محمد حسن الصوري ومجلس الأنصاري ومجلس البدراوي). ومن الجدير بالذكر أن محاولات نشر نتاجات القصاصين العماريين في أواخر الثلاثينات ومطلع الأربعينات ومعظم تلك القصص كانت لا تعني بالقيم الفنية بقدر ما تفيد الباحثين في دراسة المجتمع العماري وخاصة في نواحيه الاجتماعية ومنها قصص الأديب خليل رشيد الذي صور فيها بعض مناحي الحياة على نحو يستهدف النصيحة والإرشاد حيث نشر عدداً كبيراً في الصحف والمجلات منذ الأربعينات وقد جمع قسماً مما كتبه ونشره في الخمسينات في مجموعتين الأولى بعنوان (الحياة قصص) عام 1952 والثانية بعنوان (خمر وغيد) عام 1954 فأنتشر عارفوه على صعيد القطر ثم تناقلت الصحف اسمه على صعيد الوطن العربي والسبب في ذلك الإسهام الكبير والمد الذي ظل يدفع في مجراه نتاجه الجم لقد كان يغذي الصحف والمجلات المحلية والعربية منها مجلة الرسالة للزيات والثقافة لأحمد أمين والقصة العربية الحديثة لسامي الكيالي والعرفان لأحمد الزين وصباح الخير اللبنانية والغري لشيخ العراقيين والبيان للخاقاني والهاتف لجعفر الخليلي والشعاع للعصامي والدليل للأسدي والمعارف للطالقاني. وخليل رشيد كان حلاقاً وكان صالونه أشبه بنادي أدبي وإذا كان صالون (مي زيادة) قد جمع أعلام الفكر والأدب والفن في مصر في حينه فأدب الخليل وحسن معشره استطاع تحويل الدكان الصغير إلى منتدى يدور فيه حديث شيق عن كل ما يخص الأدب والأدباء. لم تكن الحياة العلمية والثقافية في العمارة راكدة فقد أصدر وترجم علماؤها وأدباؤها مجموعة من الكتب العلمية وفي مختلف العلوم وكانت مكتباتها تغص بنفائس الكتب إضافة إلى المكتبة العصرية لصاحبها عبد الرحيم الرحماني كانت في العمارة عدة مكتبات منها مكتبة الإرشاد لمحمود جواد الكاظمي ومكتبة ياسر صادق ومكتبة الغد للأخوين شاكر وإبراهيم الهاشمي ومكتبة النجاح للأنصاري ومكتبة التحرر الوطني ومكتبة العروبة. {5} إن المثقفين العماريين بدأوا يعرضون على المسرح المحاولات التمثيلية الأولى وفعلاً كانت التجارب المسرحية جادة وناضجة منذ تشكيل أول فرقة مسرحية في أوائل الثلاثينات التي ضمت أكفأ المثقفين وأقامت منذ ذلك الوقت دعائم المسرح العماري الذي بدأ مسيرته الناجحة وبدأ الوعي المسرحي يأخذ طريقه نحو التطور واجتاحت المدينة آنذاك خصوبة فنية أثمرت أنجح المسرحيات فكانت اجتماعية هادفة تطورت إلى مسرح واقعي مثلت على خشبته أغلب العروض الجريئة التي تعالج قضايا المجتمع والسياسة. . . وكانت فرقة أنصار الفن في أوائل الأربعينات التجربة الناجحة الأولى ثم أعقبتها جمعية الطليعة في مطلع الخمسينات التي كانت الأكثر نضجاً من الأولى والأكثر تطوراً. فكانت الخطوط البيانية للحركة المسرحية في تصاعد مستمر فعرضت الدراما والتراجيديا إلى جانب الكوميديا الهادفة. وفي عام 1947 عندما زار الفنانون المصريون – سراج منير وصلاح أبو سيف وحلمي رفله وفاخر فاخر والممثلة كوكا – العمارة لتمثيل فلم مغامرات (عنتر وعبلة) في ناحية المشرح عرض أولئك الفنانون مساعداتهم والتعاون مع فرقة أنصار الفن العمارية وأكدوا لهم أن المستوى المسرحي في العمارة عالِ جداً وأن الفرقة تعتمد على نفسها بالدرجة الأولى وأكد صلاح أبو سيف وسراج منير أن الحركة المسرحية في العمارة ستفوق الحركة المسرحية في مصر وتكون العمارة من أوائل المدن في العالم العربي تساهم وتطور الحركة المسرحية. كانت تلك المقولة من الفنانين المصريين حقيقة واقعة إذْ تعبر عن طبيعة العمل المسرحي آنذاك لو استمرت وتطورت الحركة المسرحية. وفي فترة الخمسينات انخرط معظم المعلمين والمثقفين في جمعية الطليعة للتمثيل والتي احتلت شهرة واسعة في الحركة المسرحية في العمارة بما قدمته من عروض مسرحية عالمية ومحلية. ولا بد من الإشارة إلى أن الأشخاص الذين قدموا العروض المسرحية الأولى إخراجاً وتمثيلاً في أقضية العمارة ومركزها كانوا من أعمدة القوم وأشرافهم ولم يكونوا من خريجي معاهد الفنون المسرحية آنذاك وإنما كانوا متطوعين للعمل المسرحي خدمة للصالح العام في تحقيق الأهداف التربوية والوطنية. فإن أول عمل مسرحي أقيم في قضاء قلعة صالح عام 1917 لجمع أموال لبناء مدرسة القلعة قام بتمثيله الشيخ حسين خلف الخزعلي والشيخ عمران الباوي والحاج علي البهار الظالمي وساهم معهم مجموعة من الناس المعروفين بصدق الأمانة وحسن السلوك. وفي العمارة أخرج السيد عبد المطلب الهاشمي والأستاذ الأديب محمد جواد جلال مجموعة من المسرحيات وكلاهما أشهر من نار على علم. وقد اختارا طلاباً صاروا فيما بعد من أعلام العراق البارزين نذكر منهم على سبيل المثال الدكتور عبد الجبار عبد الفتاح العماري والدكتور عبد الغني زلزله والمهندس عبد الخالق كرم الوتار وأخيه الدكتور عبد الواحد وغيرهم. وفي قضاء علي الغربي أشرف السيد جعفر العلاق على العروض المسرحية بنفسه وهو من أبرز الشخصيات الدينية والوطنية المعروفة في قضاء علي الغربي الذي سجن مع قادة ثورة مايس عام 1941 في معتقل العمارة وأمضى بضعة أعوام معتقلاً. وأما الفتيات اللواتي صعدن المسرح في العمارة وأقضيتها هن بنات المربين الكبار الذين علمونا الحرف العربي لأول مرة في حياتنا ودرسونا آيات القرآن الكريم أمثال ميسون عبد الغني الحكيم وعربية توفيق لازم اللتين صارتا من أعلام العراق أيضاً فميسون اليوم واحدة من أشهر الطبيبات العراقيات في التشخيص بالسونار وعربية أستاذة في تاريخ آداب اللغة العربية ولها عدد من المؤلفات وأشرفت على مجموعة من طالبات الدراسات العليا في جامعات القطر. . والعمارة أنجبت الدكتور فاضل خليل عميد أكاديمية الفنون الجميلة في العراق والدكتور فاضل سوداني الذي أبعدته السلطة الحاكمة فأصبح سفيرنا المتجول هناك. {6} إن السجاد اللامي والكناني والزوالي والبسط واليزر والغطاوي ذوات الألوان الزاهية والأشكال الجميلة كانت تجمل سوقاً كبيراً في مدينة العمارة منذ العشرينات، وهو سوق السجاد. وإن أعمال الصياغة والنقش على المعادن الثمينة التي تفنن بها إخواننا أبناء طائفة الصابئة المندائيين كانت تحتم على السياح والزوار الأجانب على اقتنائها مهما كان الثمن غالياً والاحتفاظ بها للذكرى أمثال أعمال الشيخ عنيسي الفياض وهو أستاذ صياغة الميناء والصائغ الخاص للملك واعمال الصائغ زهرون وولده (حسني) اللذين أشار بإعجاب منقطع النظير إلى مهارتهما طبيب الأسرة المالكة آنذاك سندرسن باشا. وقد رافق (زهرون) الملك فيصل الثاني والوصي عبد الإله في سفرة إلى باريس ذات مرة وما زال متحف (اللوفر) محتفظاً بأعمال هذا الفنان الفطري. ومن الصياغ في فترة الثلاثينات عزيز زهرون وسليم كالوس اللذين اشتهرا بعمل الهدايا من الذهب المحلي بالميناء الملونة. والصائغ عباس عمارة الذي كان فناناً متألقاً مبدعاً طاف بفنه أمريكا ودول أوربية كثيرة وأشترك في معارض عديدة هو والشيخ عبد الشيخ محيي. . وبنتاجاتهم تلك كان أبناء العمارة يفتخرون إذْ كانا يختمان كل عمل فني ينجزانه بعبارة شغل عمارة (Amara Work) . كما أن الآثار واللقى المتنوعة من المصنوعات الفخارية والخزفية المزججة والمزخرفة بأشكال وحجوم مختلفة من أوان وجرار وكسرات وشفقات جرار التي كان يعثر عليها الناس بين فترة وأخرى في (اليشن) وهي بقايا مدن مندرسة منتشرة في كل جزء من أجزاء مدينة العمارة. كانت تلك إشارات عن الفن التشكيلي الفطري الذي كان له تأثير غير مباشر على فنانينا الذين بدأت تجاربهم تنضج شيئاً فشيئاً عندما فتحت المدارس أبوابها وذلك في منتصف عام 1917م. وكان من أبرز المعلمين والمدرسين الذين مارسوا تدريس الرسم في المدرسة الابتدائية والمتوسطة آنذاك عبد القادر عبد الرحمن (عبد القادر الرسام فيما بعد، أبو الرسم المعاصر في العراق) وغضبان رومي الناشئ وحسين سالم المراني وناصر سعد وياسين خليل العزي ونعيم رومي الناشئ ورومي فرحان خلاوي وصلحي إبراهيم حقي وعبد الرزاق زامل جبر وعبد الرزاق حلمي عبد الجبار وعيدي عبد الإمام وعبد الحميد موسى وخزعل هاشم الهاشمي وخلف حنون الربيعي. والمدرس نعمان مهدي لطوف الذي كان مثالاً للفنان المبدع وكان بحق رائداً للحركة الفنية في العمارة من خلال المشاركات العديدة في إقامة معارض فنية مدرسية متميزة وكان لأسلوبه الجذاب في الفن وحثه العديد من طلبته على الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة ببغداد. كما لا يمكننا نسيان جهود جمعية المعلمين وجمعية أنصار الفن وجمعية الطليعة وزيارة الوفود الفنية في أواخر العشرينات والثلاثينات والأربعينات للعمارة فكلها كانت آفاقاً جديدة رفدت الحركة الفنية التي أتت أُكلها عندما انتظمت مجموعة خيرة من طلاب المدارس ومعلميها أمثال عبد اللطيف ماضي وماهود احمد وشوكت الربيعي وعبد الرحيم البياتي وعبد المنعم مسافر وفؤاد محمود في عقد فني جذاب في إقامة معرض مشترك عام 1956م أبان العدوان الثلاثي على مصر العربية والذي تميزت به لوحة ماهود أحمد وعدت في ذلك الوقت إسهاماً وطنياً مؤثراً مما دفع بالسلطة الحاكمة آنذاك النظر إلى الحركة الفنية بمنظار الريبة والشك لما لها من تأثير إيجابي في تحريك الحس الوطني. طفل صابئي من العمارة ونتيجة للدعم المتواصل من قبل جمعية الطليعة للفنانين الشباب الذين ساهموا في المعرض الأول أقدم الفنانون أنفسهم على إقامة معرضهم الثاني في قاعة روضة أطفال العمارة قرب سينما الحمراء سابقاً عام 1957 وهو العام الذي أقام فيه الفنان العراقي ميران السعدي معرضه الأول في مدينة العمارة وعلى القاعة نفسها لقد كان حماس فناني المدينة كبيراً وجاداً في إيجاد صيغ متعددة لتكثيف الجهود وتقوية أواصر العلاقات الودية بينهم حيث كانت المعارض المدرسية تظاهرة فنية وتجمعاً ثقافياً لتبادل الخبرات والاطلاع على كل ما هو جديد وجاد. مرت خمسة عقود على المعارض التي أقامها طلاب مدارس العمارة الذين بلغ بعضهم الذروة وأصبحوا أعلاماً – فيما بعد – كماهود أحمد وشوكت الربيعي فيما توفي عبد الرحيم البياتي وعبد المنعم مسافر وفؤاد محمود. ولم يبق في العمارة سوى عبد اللطيف ماضي الذي ما زالت ريشته تداعب الألوان برفق ورهافة وتحولها إلى لوحات فنية رائعة تحكي واقع العمارة بأسواقها المزدحمة وشناشيلها الآيلة للسقوط وحرفها الشعبية المحتضرة وقيمها التي تدل على تقديس أهل العمارة لمثلهم العليا. . ونقول كما قال هيجكوك حاكم العمارة السياسي (1917-1927) في كتابه الحاج ريكان : أيكون هذا دليلاً على أن شعب هذه البلاد سيكون في يوم ما أمة عظيمة؟ أم هل هذا هو النفس الأخير لشعب مجيد قد تدهور. . ؟؟.